هشام جعيط

185

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الدوام ، الا وهي العرق واللغة وحياة الترحال ، هم بالتأكيد الذين عربوا شبه الجزيرة . لقد ترجمت الرواية العربية عن الغربة الترابية بمفهوم لغوي ، وبعكس المعطيات جعلت من السابقين للعرب عربا أوائل ، وأحسن من ذلك لقد جعلت منهم العرب الحقيقيين الماسكين باللغة في حين أصبح العرب أنفسهم برابرة تلقوا هذه اللغة من الأوائل بوحي إلهي « 1 » ( عن طريق إسماعيل ) أو بالتلقين مع وجود فكرة خفية توحي بالانفصام العرقي . ولذا فبما أن السكان الأصليين كانوا السكان الأولين لما سوف يصبح « أرض العرب » بصورة ممتازة بمعنى إفرازها الأصيل ، فإن القادمين الجدد من العرب منحوهم العروبة الحقة ، عروبة العرق واللغة ، وبذلك فقد قاموا بنقل الأصالة الترابية إلى الأصالة اللغوية مزيفين هويتهم العربية ذاتها التي كانت حقيقية وحدها . ولا يمكن في التحليل الأخير اعتبار العرب العاربة من العرب الأوائل ، إلا إذا قبلنا بوجود هجرة أولى ، ذلك أن هذه التسمية ينبغي أن تنطبق على العرب الأولين أو على المهاجرين وأجدادهم وأقاربهم القادمين من الخارج أي من الشمال حيث وجدت آثار لذلك بالنقوش المسمارية . لقد ذكر علماء الأنساب أن مخلفات السابقين للعرب أي العاربة انصهرت في العرب الأوائل المستعربة « 2 » . فقد تعرّبوا وفقدوا في الوقت نفسه هويتهم الجماعية وبالصورة نفسها استثنى أولئك النسابون قحطان أقدم جد لليمنيين ، واحتفظوا بكهلان جد البدو أي عرب اليمن كعنصر من ذرية إسماعيل « 3 » ومن العرب المستعربة ، لكن يعتبرونه أحيانا من العرب العاربة « 4 » . وعلى هذا ، ففي الإمكان المخاطرة بفرضية مفادها أن اليمنية الأصليين لم يكونوا عربا عريقين لغويا وأنه ينبغي اعتبارهم بقايا للسكان الأصليين في شبه الجزيرة « 5 » ، أي من

--> ( 1 ) ابن سعد في الطبقات ، ج 1 ، ص 50 يقول إن إسماعيل كان أول من تكلم العربية إذ كان القوم يتكلمون العبرية قبل ظهور الأنبياء ؛ راجع المروج ، ج 2 ، ص 193 - 194 . ويرى ابن خلدون ، التاريخ ، ج 2 ، ص 46 - 47 ، أن قحطان كان أول من تكلم نقلا عن جرهم ، وهو يدعو جرهم العرب العاربة أو الجيل الأول ، واليمنية المستعربة أو الجيل الثاني ، وأبناء إسماعيل الجيل الثالث أو « العرب التابعة للعرب » ؛ راجع الأزرقي ، ج 1 ، ص 86 . ( 2 ) المروج ، ج 2 ، ص 167 . ( 3 ) جمهرة ، ص 7 . ( 4 ) رأي أبداه مؤلف مادة « جزيرة العرب » ، في : . E . I . / 2 . ( 5 ) يقول فون غرونباوم : « لما يشعر عرب الشمال في العصر الجاهلي بتمييزهم عن عرب الجنوب ، فإن هذا الشعور يعكس الفرق الحالي في المسكن واللغة والدين وربما في العرق » art . cit . , p . 8 لكن إذا أمكن لنا مجاراته في تقدير مفاده أن العرب البائدة يمكن تمثلهم بالسكان الأصليين يعني الأهالي [ ص 9 من البحث المذكور ] فليس صحيحا أن الرواية العربية اعتبرتهم بصفة عامة من اليمنية . راجع أيضا . Chelhod , ouvr . cit . , I , p . 31 أما عن الحضور البشري في العصر الحجري القديم والحديث ، فراجع بحث Roger de Bayle des Hermens في Chelhod , ouvr . cit . , p . 185 ff .